موظف بالسفارة السويسرية يوجّه نداء استغاثة لرئيس قيس سعيد..

أحمد مراد النفاتي يروي لبرنامج “بلا قناع” تفاصيل طرده التعسفي، مؤكدًا رفضه التنازل عن كرامته مقابل تعويضات مالية، ويوجه نداءً عاجلاً إلى رئيس الجمهورية.
في قضية تجمع بين الكرامة الوطنية والنضال الفردي ضد مؤسسة دبلوماسية، تعود قصة المواطن التونسي أحمد مراد النفاتي إلى الواجهة، بعد أكثر من عشرين عامًا من بدء صراعه مع السفارة السويسرية في تونس. النفاتي، الذي كان يعمل موظفًا محليًا بالسفارة، يؤكد أن حياته انقلبت رأسًا على عقب بسبب موقفه الوطني الذي كلفه وظيفته، ودفعه إلى رحلة طويلة من الاحتجاج بحثًا عن رد الاعتبار.
شرارة الأزمة: مقال سياسي ورفض الترجمة
يروي النفاتي، الذي كان يعمل في السفارة السويسرية، أن القصة بدأت عندما طلب منه نائب السفير ترجمة مقال صحفي نُشر في جريدة “الموقف” التونسية. كان المقال، الذي كتبه المعارض الأستاذ أحمد نجيب الشابي، يتضمن نقدًا للدولة التونسية آنذاك.
آلفيديو:
رفض أن يكون بوقا للنظام وعميلا للأجانب فاتهموه بالخيانة وطردوه قلت-لا للعمالة فلاحقوني بالخيانة
“أخبرتهم أن هذا المقال يتعاطى مع قضية تونسية-تونسية بحتة، وأنه شأن سياسي داخلي لا يجوز أن يتدخل فيه طرف أجنبي، ولذلك رفضت ترجمته،” يقول النفاتي، مضيفًا: “رفضي لم يكن من منطلق الولاء للنظام حينها، بل لأنه مسألة سيادية تونسية”.
من رفض وطني إلى طرد تعسفي
لم يمر موقف النفاتي مرور الكرام. بحسب روايته، تم استدعاؤه إلى مكتب السفير، وهناك فوجئ باتهامه بالسرقة. يقول: “قالوا لي: أنت سارق. استغربت وقلت لهم: كيف تحكمون علي بالسرقة دون منحي حق الدفاع عن نفسي؟ (sans droit de défense)”.
جاء الرد قاسيًا وحاسمًا: “المقابلة انتهت، اخرج من مكتبي”. يصف النفاتي كيف تم إخراجه بالقوة، ليجد نفسه مطرودًا من عمله دون سابق إنذار أو فرصة لتبرئة نفسه من التهمة التي يصفها بالملفقة.
ويضيف النفاتي بحرقة: “عندما احتججت بأننا في دولة قانون، قال لي السفير: ‘نحن لدينا بلد القانون’ (Nous avons le pays du droit)، فأجبته: ‘ونحن في تونس لدينا بلد العدالة’ (Nous en Tunisie, nous avons le pays de la justice)”.
عقود من النضال.. كرامة لا تقدر بمال
لم يستسلم النفاتي لواقعه الجديد، بل بدأ رحلة طويلة من الاحتجاج السلمي أمام مقر السفارة السويسرية. هذه الرحلة لم تكن سهلة، حيث تعرض للتوقيف 14 مرة في عهد الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي، وأُحيل على النيابة العمومية 15 مرة بتهم منها “تعطيل سير عمل السفارة” و”تعطيل سير المارة والمترجلين”، وهي تهم يراها عبثية، خاصة أن اعتصاماته كانت غالبًا ما تتم في أوقات متأخرة من الليل.
في عام 2006، عرضت عليه السفارة تسوية مالية قدرها 200 ألف دينار تونسي لإنهاء قضيته. ورغم ضخامة المبلغ في ذلك الوقت، كان رده بالرفض القاطع. “قلت لهم أقبل، ولكن بشرط واحد: أن أحصل على رسالة اعتذار رسمية من الخارجية السويسرية أولًا،” يقول النفاتي، مؤكدًا أن كرامته وكرامة وطنه لا يمكن المساومة عليهما. ويستشهد برد قاسٍ تلقاه من وزيرة الخارجية السويسرية آنذاك، ميشلين كالمي-ري، التي قالت، بحسب كلامه، إنه “لا يمكن الاعتذار لمواطن من العالم الثالث”.
نداء إلى رئيس الجمهورية وتجديد الاعتصام
اليوم، وبعد سنوات من التوقف، عاد أحمد مراد النفاتي إلى اعتصامه المفتوح أمام السفارة السويسرية منذ 1 أوت، بعد أن أعلم رئاسة الجمهورية ووزارات الخارجية والعدل ورئاسة الحكومة بخطوته.
يقول النفاتي: “لست وحدي من يعاني. هناك ثلاثون أو أربعون شخصًا يتوجهون يوميًا إلى قصر قرطاج لأن المسؤولين، من ولاة ومعتمدين ووزراء، لم يقوموا بواجبهم تجاههم”.
ويوجه رسالة مباشرة إلى رئيس الجمهورية قيس سعيد: “يا سيدي الرئيس، قم بواجبك. أنا مواطن تونسي أندد بمظلمة اعترف بها القضاء التونسي نفسه. كل ما أطلبه هو استعادة حقي وكرامتي التي أهدرت بسبب موقف وطني”.
يختتم النفاتي حديثه مصرًا على مطلبه الوحيد، وهو رسالة اعتذار رسمية، رافضًا أي تعويض مادي قبل رد الاعتبار، في قصة تجسد صراع فرد من أجل كرامته وكرامة وطنه في وجه ما يراه تعاليًا دبلوماسيًا وظلمًا فادحًا.