فضيحة تهز الرأي العام: إهدار مليارات في “تكوين وهمي” ونزيف كراء المقرات الحكومية بتونس

تونس – متابعات خاصة
في وقت تعاني فيه المالية العمومية في تونس من ضغوطات كبرى، طفت على السطح ملفات فساد وسوء تصرف مالي وإداري أثارت جدلاً واسعاً. كشف تحقيق إعلامي حديث عن إهدار مليارات المليمات من خزينة الدولة تحت مسمى “التكوين قصد الانتداب” دون نتائج تذكر، بالتوازي مع استمرار نزيف كراء المقرات الإدارية بمبالغ طائلة، مما يطرح تساؤلات جدية حول غياب الرقابة والمحاسبة.
“فخ” المؤسسة التونسية للأنشطة البترولية: تكوين بالميارات وبطالة إجبارية
سلط التقرير الضوء على قضية 30 شاباً من حاملي الشهادات العليا (مهندسين وتقنيين في مجالات الكيمياء الصناعية، الميكانيك، والنفط)، الذين تم انتقاؤهم عبر مناظرة وطنية في ماي 2021 أجرتها المؤسسة التونسية للأنشطة البترولية (ETAP).
الفيديو:
صـ ـاادم..مليارات في مهب الريح بسبب قرارات خاطئة وغياب المحاسبة..تفاصيل اهدار المال العام !!
البرنامج كان يهدف لتكوين هؤلاء الشباب لمدة عام ونصف بتكلفة ناهزت المليار مليم (حوالي 33 ألف دينار للشخص الواحد)، على أن يتم انتدابهم آلياً في مشروع “غاز تطاوين”. والمفارقة الصادمة تكمن في الإجراءات التي رافقت هذا المسار:
-
كمبيالات “الولاء”: أُجبر المتدربون على توقيع “كمبيالات” بقيمة 33 ألف دينار، كضمان لعدم مغادرتهم المؤسسة لمدة 10 سنوات بعد الانتداب.
-
التخلي بعد التكوين: بعد انتهاء فترة التكوين الشاق وحصولهم على الشهائد، وجد هؤلاء الشباب أنفسهم في الشارع لأكثر من عامين.
-
ردود الإدارة: بررت الإدارة العامة للمؤسسة عدم الانتداب بغياب “الخطط الوظيفية”، بل ورفضت إعادة الكمبيالات لأصحابها، مما جعلهم رهائن لوضع قانوني شائك يمنعهم حتى من البحث عن فرص أخرى بحرية.
بيروقراطية قاتلة وتمديد للمتقاعدين
أشار المتضررون إلى أنهم خاضوا “حرباً إدارية” بامتياز، حيث راسلوا رئاسة الجمهورية، رئاسة الحكومة، وزارة الطاقة، والبرلمان، ونفذوا اعتصامات في العاصمة وتطاوين، لكن دون جدوى.
وفي مفارقة غريبة، كشف التقرير أن الإدارات العمومية والوزارات تواصل تقديم طلبات “التمديد” لمسؤولين وموظفين بلغوا سن التقاعد، في حين يتم صد أبواب التشغيل أمام كفاءات شابة أنفقت الدولة المليارات على تكوينها، مما يعزز الشكوك حول وجود إرادة حقيقية لضخ دماء جديدة في الإدارة التونسية.
نزيف كراء المقرات: الدولة “المالكة” تستأجر بالمليارات
انتقل التقرير لفتح ملف لا يقل خطورة، وهو ملف “أكرية الدولة”. فرغم أن الدولة التونسية تمتلك رصيداً عقارياً ضخماً (أراضي دولية، أملاك مصادرة، عقارات بلدية)، إلا أنها تخصص ميزانيات ضخمة تتجاوز الألف مليار(بحسب التقديرات الواردة في النقاش) لكراء مقرات إدارية من الخواص.
وتم طرح نقاط استفهام حول:
-
كراء مقرات لوزارات سيادية وإدارات جهوية ومراكز أمنية بمبالغ خيالية.
-
انتقال مقرات وزارات (مثل وزارة التخطيط) من مبانٍ مملوكة للدولة إلى مبانٍ فخمة مستأجرة في مناطق راقية مثل “ضفاف البحيرة”.
-
شبهات حول استفادة “لوبيات” وعائلات نافذة من صفقات الكراء هذه، حيث يتم تأجير عمارات بأسعار مشطة في حين تبقى عقارات الدولة مهملة أو تسكنها “الفئران والحمام”.
هياكل رقابة “شبحية” وبلا فاعلية
وفي سياق الحديث عن المحاسبة، وجه التقرير نقداً لاذعاً للهياكل التي أُحدثت لمكافحة الفساد، واصفاً إياها بـ “الهياكل الصورية”.
-
خلايا الحوكمة: التي أُحدثت بموجب الأمر الحكومي لسنة 2016 داخل الوزارات، والتي تبدو غائبة تماماً عن أداء دورها.
-
المجلس الأعلى للتصدي للفساد: الذي أحدث في 2012، والذي وصفه التقرير بأنه مجرد اسم بلا جسم ولا إنتاجية، رغم الامتيازات والميزانيات المرصودة له.
-
اللجان الوطنية لمراقبة الأسعار: التي ورغم وجودها، تشهد الأسواق انفلاتاً، واحتكاراً، وانتشاراً للتجارة الموازية أمام أعين المسؤولين.
دعوات عاجلة للتدخل الرئاسي والمحاسبة
اختتم التقرير بدعوة صريحة لرئيس الجمهورية ورئيسة الحكومة لفتح تحقيق فوري وشامل في ملفين أساسيين:
-
ملف انتدابات “ETAP”: وإنصاف الشباب الذين أهدرت أعمارهم وأموال الدولة عليهم بلا طائل.
-
ملف العقارات والأكرية: وإجراء جرد شامل لكل المقرات المستأجرة ومراجعة عقودها، ومحاسبة المسؤولين الذين فضلوا إهدار المال العام على استغلال ممتلكات الدولة.
إن استمرار هذا الوضع لا يمثل فقط خسارة مادية، بل ضربة لثقة الشباب في الدولة ومؤسساتها، وتكريساً لثقافة الإفلات من العقاب في وقت تحتاج فيه تونس لكل مليم للنهوض باقتصادها.
